ابن الجوزي
289
صيد الخاطر
فقال له الملك : أيهما أحب إليك الانصراف إلى نسائك ليمرّ ضنك أو المقام هاهنا إلى وقت رجوعي . قال : المقام هاهنا أرفق لي لقلة الحركة . فتبسم وقال : حركتك هاهنا إن تركتك أكثر من حركتك إلى منزلك . ثم أمر له بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى . فأيقن الرجل بالأمر ، وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفا حرفا فيقرأ على الناس حرفا حرفا إذا حضروا ، وأن ينفى إلى أقصى المملكة ، وتجعل العصا على رأس رمح يكون معه حيث كان ليحذر منه من لا يعرفه . فلما نفي أخذ من بعض الموكلين مدية فجب بها ذكره ومات من ساعته . قلت : وقد كان جماعة من الامراء يتنكرون ويسألون العوام عن سيرتهم ، فيتكلم العامي بما لا يصلح فيضبطونه عليه وربما بعثوا دسيسا . ورب كلمات قالها مسترسل فبلّغها فضولي . ورأى عمر بن عبد العزيز رجلا من العمال كثير الصلاة ، فدس عليه من قال له : إن أخذت لك الولاية الفلانية فما تعطيني ؟ قال : أعطيك كذا وكذا . قال عمر : غررتنا بصلاتك . وقد بلّغت أن رجلا كلم امرأة فأجابته فاستدعته إلى دارها ، فلما دخل قامت عن قتله . فقد ينجلي من هذه الحكاية أنه لا ينبغي أن يسكن إلى قول امرأة أو بعل يجوز أن يكون جاسوسا ومختبرا . وكذلك لا يظهر ما ينبغي اخفاؤه من مال أو مذهب أو سب رجل فربما كان له في الحاضرين قريب . ولا يوثق بمودة لا أصل لها ، فربما كانت تحتها آفة تقصده . وليحذر من كل أمر يحتمل . ورب كلمة نقلها صديق إلى صديق فتحدث بها من لا يقصد أذى للقائل فبلغت فتأذى . ورب مظهر للمحبة مبالغ حتى يستمكن من مراده . فالحذر الحذر من الطمأنينة إلى أحد ، خصوصا من عدو آذيته أو قتلت له قريبا ، فربما أظهر الجميل شبكة لاصطيادك كحديث الزباء .